أحمد بن علي القلقشندي

449

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فمات في النصف من هذا الشهر ، وهو مهرماه ، فسمّي ذلك اليوم مهرجان ، وتفسيره نفس مهر ذهبت ، والفرس تقدّم في لغتها ما تؤخّره العرب في كلامها وهذه اللغة الفهلوية وهي الفارسية الأولى وزعم آخرون أن مهر بالفارسية حفاظ وجان الروح ، وفي ذلك يقول عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن طاهر ( 1 ) : إذا ما تحقّق بالمهرجان من ليس يعرف معناه غاظا ومعناه أن غلب الفرس فيه فسمّوه للرّوح فيه حفاظا ويقال : إنما ظهر في عهد افريدون الملك ، ومعنى هذا الاسم إدراك الثأر ؛ وذلك أن افريدون أخذ بثأر جدّه جم شاد من الضّحّاك ، فإنه كان أفسد دين المجوسيّة وخرج على جم شاد فأخذ منه الملك وقتله ؛ فلمّا غلبه افريدون قتله بجبل دنباوند ( 2 ) وأعاد المجوسية إلى ما كانت ، فاتّخذ الفرس يوم قتله عيدا ، وسمّوه مهرجان ، والمهر الوفاء ، وجان سلطان ، وكان معناه سلطان الوفاء . وزعم بعض الفرس أن الضحّاك ( 3 ) هو النّمرود وافريدون ( 4 ) هو إبراهيم عليه السلام ، بلغتهم . ويقال إن المهرجان هو اليوم الذي عقد فيه التاج على رأس اردشير بن بابك ( 5 ) ، أوّل ملوك الفرس الساسانيّة ، وكان مذهب الفرس في المهرجان أن يدّهن

--> ( 1 ) أمير من الأدباء الشعراء . ولي شرطة بغداد وتوفي بها سنة 300 ه . كان رفيع المنزلة عند المعتضد العباسي ، له براعة في الهندسة والموسيقى . ( الأعلام : 4 / 195 ) . ( 2 ) جبل من نواحي الريّ . ( معجم البلدان : 2 / 475 ) . ( 3 ) ويقال له : بيوراسف أو بيوراسب ، قال ابن الأثير في الكامل : ذكر بيوراسب وهو الإزدهاق الذي يسميه العرب الضحاك . قال : وأهل اليمن يدعون أن الضحاك فيهم وأنه أول الفراعنة وكان ملك مصر لما قدمها إبراهيم الخليل . والفرس تذكر أنه منهم وتنسبه إليهم . ( راجع معجم البلدان : 2 / 475 وبلوغ الأرب : 1 / 353 ) . ( 4 ) هو أفريدون بن أثفيان الأصبهاني ، حسب رواية ابن الكلبي . ( البلدان : 2 / 475 ) . ( 5 ) أطاح بارتيانوس ، آخر أباطرة البارثيين ، عن عرشه وأعاد بناء فارس بعد انحلال السلوقيين ، وأسس الأسرة الساسانية . قويت دولته بتأييد الكهنة وشهر بكونه ملكا عادلا وقويا . توفي نحو 240 م . ( الموسوعة العربية : 215 ودائرة المعارف : 2 / 547 ) .